الشيخ محمد رشيد رضا
143
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مرفوع عن غير واحد من علماء التابعين في أهل الكتاب عامة كما رواه الحافظ ابن عبد البر في كتاب العلم ولما كثر القول بالرأي قام أهل الأثر يردون على أهل الرأي وينفرون الناس منهم ، فكان علماء الاحكام قسمان أهل الأثر والحديث ، وأهل الرأي ، وكان أئمة الفريقين من المؤمنين المخلصين ، الناهين عن تقليد غير المعصوم في الدين ، ثم حدثت المذاهب ، وبدعة تعصب الجماعة الكثيرة للواحد ، وفشا بذلك التقليد بين الناس ، فضاع العلم من الجمهور بترك الاستقلال في الاستدلال ، فكان هذا أصل كل شقاء وبلاء لهذه الأمة في دينها ودنياها ( 10 ) ما اجتمعت هذه الأمة على ضلالة قط ، أما أهل الصدر الأول فلم يفتتن بالبدع التي ظهرت في عصرهم الا القليل منهم ، وكان السواد الأعظم على الحق ، ولما ضعف الحق وارتفع العلم بكثرة الموت في العلماء المستقلين ، وفشو الجهل بتقليد الجماهير حتى لأمثالهم من المقلدين ، كان يوجد في كل عصر طائفة ظاهرة على الحق مقيمة للسنة ، خاذلة للبدعة * ولغربة الاسلام ، صار هؤلاء غرباء في الناس ، وكانوا في اعتصامهم بالحق وفي غربتهم في الاسلام مصداقا للأحاديث الصحيحة . ولو خلت الأرض منهم وانفرد بتعليم الدين والتصنيف فيه المقلدون المتعصبون للمذاهب ، الذين جعلوا كلام مقلديهم أصلا في الدين ، يردون اليه أو لأجله نصوص الكتاب والسنة حتى بالتحريف والتأويل ، ويضعفون الصحيح ويصححون السقيم ، لعمّيت السبيل الموصلة إلى دين اللّه القويم انما أعني بأهل الحق وأنصار السنة من عرفوا الحق ودعوا اليه وأنكروا على مخالفيه ، وقرروه بالتدريس والتأليف ، فهؤلاء هم الذين يصدق عليهم حديث الصحيحين وغيرهما « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر اللّه » وفي لفظ « حتى يأتيهم أمر اللّه وهم ظاهرون » وحديث مسلم وغيره « بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء » وفي رواية للترمذي زيادة في تفسير الغرباء وهي « الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنتي » وقد وجد كثير من العلماء في كل عصر عرفوا الحق في أنفسهم ولكنهم ما دعوا اليه ، ولا أنكروا على مخالفيه ،